أحمد ايبش

30

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى

وفي اليوم الثالث ركب ولعب ورمى في القبق ، والسّلطان يطاعن بالرّمح . وفي يوم الأحد ترتّب العسكر من جهتين ، واصطدم الجيشان وتطاعنت الفرسان ، والسّلطان بينا يرى آخرا قد شوهد أولا [ شعر ] وهو لا يسأم الكرّ والفرّ . وشاهد النّاس من هذا السّلطان وولده الملك السّعيد ، الأسد وشبله ، والسّهم ونصله ، والرّمح وسنانه ، والكفّ وبنانه ، والطّرف وإنسانه ، واستبشرت بالملك السّعيد الأمم ، وجرى بسعادته القلم [ شعر ] وهو ثاني والده إذا كافح ، وتالي علمه إن طارد أو طارح ، وملبّي ندائه إن دعى نزال ، ومرتمي أمره إن تفوّه بمقال . يتقرّب بالإحسان إلى من ساوقه ، ويتباعد عمّن سابقه [ شعر ] . وتواصل الطّعن بغير جراح ، وتحاربت الأجساد وتحاببت الأرواح ، وكأنّ الرّماح في أيديهم تذكّرت عهدها القديم من التّبريح بهبوب النّسيم . وصار الطّعن في هذا الميدان أكثر من الطّعن في الحرب ، ولم يعدم في هذه الأيام من أيام المعارك غير سفك الدّماء والضّرب . والسّلطان بين تلك الصّفوف لا يخاف دركا ولا يخشى ، ولا مكيدة تعمل أو تنشأ . وفي يوم الثلاثاء أنعم على جميع أكابر دولته من الأمراء والمقدّمين والوزراء والقضاة والكتّاب بالتشاريف . وكان على السّلطان تشريف كامل بشربوش « 1 » ، أنعم به على الأمير سيف الدّين قلاون الألفي . ولعبوا وكأنّهم زهر الرّبيع ألوانا مختلفة ، وزهر النّجوم أنوارا مؤتلفة [ شعر ] « 2 » . ( الرّوض الزّاهر ، 449 - 452 ) * * *

--> ( 1 ) أي الزيّ الرّسمي لأمراء المماليك ، أما الشّربوش فعمرة عسكرية رسمية للرأس يلبسها السّلطان والأمراء ، ويبدو أنها كانت مثلّثة الشكل . وخير مرجع لألبسة المماليك كتاب المستشرق السويسري ليو ماير : . L . Mayer : Mamluk Costume . ( 2 ) بعد هذا وصف متكلّف متقعّر للولائم والتّقدمات يدعو للسّأم فأسقطته .